كلما أدّبني الدّهر أراني نقص عقلي

و اذا ما زدت علما زادني علما بجهلي

الامام الشافعي


samedi 7 décembre 2013

قدّموا الكتب البيضاء و اتركوا الكتب السوداء للقضاء و لمحكمة الضمير و التاريخ

المهدي الجندوبي 8-12-2013 ( لم ينشر)

الكتاب ذكاء الآخرين على ورق فهو يوثّق و يحّلل و يشخّص الدّاء و يبحث عن الأسباب و يوجّه نحو الحلول. و هو أرقى أشكال التضامن بين البشر لأن صاحب الكتاب يهب ذكاءه إلى الآخرين لمساعدتهم على فهم مشكل قصد التجاوز عن طريق المعرفة التي تسبق الفعل.

و تونس و هي تعيش هذا المخاض التاريخي الذي لم يشهد جيلي و قد جاوزت الستين مثله من قبل، بحاجة إلى كتب بيضاء عديدة تهدف إلى التوثيق و التأليف قصد خلق لحظة وعي تنطلق من الماضي بهدف بناء المستقبل. و هي عادة كتب جماعية تكون لحظة تكثيف للذكاء الجماعي لتطوير الوعي بمشكلة و ابتكار الحلول.

فتونس بحاجة إلى كتاب أبيض حول أساليب تشغيل الشباب و التجارب المقارنة التي اهتدت إليها بلدان أخرى مثل كوريا أو سنغافورة أو البرازيل سواء بدمجهم في الدورة الاقتصادية التقليدية أو عن طريق حلول مبتكرة في مجال الاقتصاد الاجتماعي و التعاوني.

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول أساليب تطوير هياكل البحث العلمي و تمويله و تثمين نتائجه.

 و تونس بحاجة إلى تقييم و تطوير تجربة دور الشباب و الثقافة و قد بلغ عددها الستون حسب آخر إحصاء لوزارة الثقافة فكيف يمكن تطوير هذه المؤسسات لتنتشل الشباب من مخاطر المخدرات و من شبكات انتداب الشباب اليائس و توجيهه إلى جبهات القتال في معارك هم أول ضحاياها.

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول التجارب العالمية لمقاومة الفقر و إمكانية الاستفادة منها قصد ضمان حد ادني من الحق في التغذية لكل طفل اذكر أنني في الستينات كنت احضى يوميا بكاس من الحليب يوزع في المدارس مجانا على جميع التلامذة فكنا نشربه على نخب الدولة.

و تونس بحاجة إلى كتاب أببض لفهم أسباب رواج خطاب العنف في الشبكات الاجتماعية و تصوّر الحلول لترشيد استعمالها

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول تجربة اللامركزية و استنباط أشكال جديدة للإدارة المحلية تسمح بمشاركة الجهات في صناعة القرار.

 و تونس في حاجة إلى كتاب ابيض لإيجاد حلول قانونية و اجتماعية و تثقيفية، إلى الخلافات التقليدية و الشائعة حول الإرث التي تنخر آلاف الأسر و تعطّل جزءا من الثروة الاقتصادية.

و تونس بحاجة إلى كتاب أبيض لتقييم التجربة النقابية في الحقل الجامعي و مساعدة الشباب على التعايش الديمقراطي في تنظيمات نقابية متنافسة دون تقاتل و تتعايش حتى لا نشهد هذه الحروب المسترسلة التي تنخر خيرة شبابنا فيقضون جزءا من نضالهم و هم يخططون لغزوة فضاء جامعي و تعطيل عمل خصومهم، عوضا عن التخطيط لتنشيط الحياة الفكرية و الثقافية في الفضاء الجامعي.

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول التفكير في أساليب تشغيل الطلبة أثناء الدراسة قصد تمكين قسط منهم من مجابهة أعباء التعليم خاصة و أن حوالي النصف لا يستفيدون من نظام المنحة.

و تونس بحاجة الى كتاب ابيض يكتبه الأطباء و علماء النفس و خبراء الإرشاد الاجتماعي، لتصوّر أساليب نشر ثقافة جنسية متوازنة  و معالجة البؤس الجنسي الذي تفرضه الظروف الاجتماعية غير السوية على قسم من المواطنين، بأساليب علمية تساعد على الحد من ظواهر مثل البغاء السري و الاغتصاب و الحمل على وجه الخطأ و كل ما ينتج عنها من مآسي اجتماعية.

 و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول أفضل السبل لتمكين مليون تونسي أي حوالي 10 في المائة من المواطنين يعيشون في الخارج و يحتلون المرتبة الرابعة في موارد العملة التي تتدفق سنويا على تونس، من المساهمة الناجعة في حياة الوطن، حتى و إن كانوا يقيمون جغرافيا خارج حدوده.

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض لتشخيص أساليب تطوير المؤسسات الإعلامية التي  تموّلها الدولة و تشغّل نخبة الصحفيين بنسبة الثلثين تقريبا من مجموع الصحفيين في تونس لتتحول من الإعلام الحكومي الدعائي الذي ساد على طوال العقود الماضية إلى إعلام عمومي حسب مطالب المهنيين و يكون في خدمة المواطن و منسجما مع أرقى المقاييس و أساليب العمل المهنية في العالم و يساهم في تشكل بيئة ديمقراطية مستقرة لصالح كل الفرقاء السياسيين و الاجتماعيين.

 و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول أساليب تمويل النشاط الثقافي و تطوير مؤسساته لتنتشر في تونس هياكل مدمجة تجمع بين المكتبات العمومية و قاعات عرض سينمائي و مسرحي بصفة مماثلة وموازية لانتشار ملاعب كرة القدم و القاعات الخاصة باحتفالات الأعراس. 

و تونس و هي تعيش أضخم تجربة في تجديد النخب شهدتها منذ الاستقلال، بحاجة إلى كتاب ابيض يجيب على سؤال بسيط و جوهري: كيف تكون مسؤولا سياسيا يجمع بين شرعية تمثيل المواطنين و نجاعة الإدارة و الفعل في الحياة العامة و نحن في طور بناء هياكل ديمقراطية تحتاج إلى آلاف من المواطنين سيتحوّلون بالضرورة إلى أصحاب قرار في البلديات و الهياكل الجهوية المزمع إنشاؤها و في البرلمان هذا إضافة إلى الهياكل المهنية و المدنية العديدة.

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض يقيّم تجربة العمل البلدي على ضوء التجارب العالمية و يرتقي بالمؤسسة البلدية و نحن على ابواب انتخابات سترمي بآلاف النواب المواطنين الجدد في السنوات القادمة أمام تحديات و ملفات شائكة تحتاج إلى كفاءة و خبرة جماعية

و تونس بحاجة إلى كتاب ابيض حول ابتكار أساليب المشاركة في الحياة العامة و التعبير السلمي على الاحتجاج يتحوّل إلى دليل لكل مواطن و لكل هيكل من هياكل المجتمع المدني.

كل هذه الكتب البيضاء و غيرها من المواضيع و المشاكل الملحّة التي تحتاج إلى التشخيص و التحليل و الابتكار، تحتاج إلى تخطيط و تمويل و من شانها تجميع أرقى موارد تونس و هو ذكاء نخبها التي تزخر بهم الجامعات و الوزارات و المؤسسات العمومية و الجمعيات المهنية و العلمية هذا إضافة إلى النخب المهاجرة و تسمح  برسم طريق المستقبل في مختلف الحقول.

إما الكتب السوداء فاتركوها للقضاء و لضمير من وشى و خان الأمانة و الصداقة و لمحكمة التاريخ.

ملاحظة: مشروع مقال لم ينشر، كتب أثناء الجدل حول الكتاب الأسود، منظومة الدعاية تحت حكم بن علي، الذي أعدّته دائرة الإعلام و التواصل في رئاسة الجمهورية التونسية سنة 2013 .