المهدي الجندوبي
باب نات 8 فيفري 2021
دستور 2014 هو السبب الرئيسي في خلاف السلطتين الذي تشهده تونس و الذي أصبح
موضوع الساعة على خلفية التحوير الوزاري المعطّل، حيث تداخلت صلاحيات رئيس الدولة
و رئيس الحكومة و الأغلبية البرلمانية التي زكّت الوزراء المقترحين. هذه تقريبا
خلاصة أغلب التحاليل التي تناولتها وسائل الإعلام من خلال تعليقات لصحفيين أو
لخبراء و أساتذة في القانون.
و تمّ عرض حجج قوية تتعّلّق بتوزيع غير متوازن للسّلطة بين رئيس منتخب
مباشرة من الشّعب و محدود الصلاحيات، و رئيس حكومة واسع الصلاحيات لكنّه لم يخضع
إلى الإنتخاب و حظي بمساندة أغلبية النوّاب. كما ذهبت بعض التحليلات الى اسباب
أخلاقية تتعلّق "بالولاء و الخيانة".
كما اثيرت مسألة العلاقة بين رئيس الجمهورية المنتخب خارج منظومة الأحزاب
ليجد نفسه أمام برلمان مستقلّ تماما له صلاحيات إختيار رئيس الحكومة، و حتى إن
إختاره الرئيس مثل حال السيد هشام المشيشي، فعلى رئيس الحكومة المقترح أن يواجه
مهمّة شبه مستحيلة: البقاء على "ولائه" لرئيس الجمهورية الذي إختاره و
فتح له باب السلطة و في نفس الوقت الحصول على أغلبية برلمانية تمنحها احزاب
مستقلّة عن رئيس الجمهورية او معارضة له و لها شرعية دستورية لا تقلّ على شرعية
الرئيس.
أستنجد بخبراء القانون لمساعدتي على الإجابة على السؤال التالي: لماذا نجد
في تاريخ تونس تكرارا لمشكل متشابه قديم و متجدد يتمثّل في صراع "السلطتين"
عبر حقبات تاريخية تمتدّ من المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الى اليوم و بين
أجيال سياسية مختلفة و منظومات قانونية من النقيض الى النقيض، مثل دستور 1959 الذي
منح رئيس الجمهورية سلطات شبه مطلقة و
دستور 2014 الذي عكس الآية لصالح رئيس الحكومة؟.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عيّن الباي من خيرة حاشيته خير الدين
باشا، في خطّة الوزير الأكبر و منحه ثقته من أجل كفاءته، ثم بعد إنطلاق الإصلاحات
التي خطّط لها خير الدين، أقاله الباي سنة 1877 بعد أربع سنوات خوفا من كفاءته.
في نهاية الستينات أقال الزعيم الحبيب بورقيبة سنة 1970، الوزير الأوّل
الباهي الأدغم رفيقه في الكفاح الوطني و
إن كان يصغره سنّا و الذي كان ينعت في الصحافة الرّسمية ب"العضد الأيمن"
للرئيس. و ذاع صيت الباهي الأدغم عربيا بعد نجاحه في وساطة عربية بين الفلسطينيين
و الملك حسين فيما يعرف الآن بحرب أيلول (سبتمبر 1970) التي شهدت تقاتلا بين منظمة التحرير الفلسطينية
و السلطة الأردنية و قد إستقبل الزعيم عبد الناصر آنذاك الباهي الأدغم و زاد ذلك
الإستقبال في رواج إسمه عربيا، و يرى المحللون أن الزعيم بورقيبة "لم يستصغ"
صعود نجم الباهي الأدغم كشخصية عربية إقليمية.
في منتصف السبعينات حين كان السيد الهادي نويرة وزيرا أولا يحظى بكامل ثقة
الرئيس بورقيبة، وقّع الزعيم بورقيبة في جربة مع الزعيم معمّر القذافي في 12 جانفي
1974، وثيقة إعلان الوحدة مع ليبيا و نشرت في الغد الجرائد التونسية خريطة "الدولة
العربية الإسلامية" تجمع ليبيا و تونس من غير حدود. جرت كلّ هذه الأحداث
المصيرية بينما كان الوزير الأوّل في مهمّة رسمية في إيران و علم بالأحداث بعد
وقوعها و عند عودته عارض هذا القرار مع جهات أخرى و تراجع بورقيبة معتمدا حجّة
تأجيل الوحدة في مرحلة أولى لتهدئة خاطر القذافي، لأن الدستور التونسي وقتها لا
يسمح بإستفتاء الشعب، و هو بند من إتفاقية جربة.
بعد وصول الرئيس زين العابدبن بن علي الى السلطة سنة 1987 عيّن في خطّة
الوزير الأول، صديقه الذي يكبره سنا و الذي لعب دور "العقل السياسي"
فيما يعرف ب"تغيير" أو "إنقلاب" السابع من نوفمبر، السيد
الهادي البكّوش مدير الحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم وقتها. و سرعان ما تمّت
إقالة الوزير الأوّل في سبتمبر 1989 بعد أقل من سنتين، على خلفية إختلاف وجهات نظر
و طرق عمل، بين قرطاج و القصبة.
كلّ هذه "الإجتهادات" بين رأسي السّلطة التنفيذية، و الخلافات و
الإختلافات و الإقالات وقعت قبل دستور 2014. أما بعد إعلان دستور 2014 فلا فائدة
في التوقّف مطوّلا عند مغامرة السيّد الحبيب الصيد الذي إختاره المرحوم الباجي
قائد السبسي ثم أجبره بمساعدة حزب النهضة على المغادرة بعد جلسة سحب الثقة في
البرلمان، و أراد سي الباجي أن يعيد الكرّة مع السيد يوسف الشاهد الذي إقترحه هو
بذاته و دعمه، ثم أراد إقالته و حينها رفضت النهضة مقدّمة حجّة المحافظة على "إستقرار
السّلطة".
صراع "السلطتين" لا يمكن فهمه بالرجوع الى العلوم القانونية
وحدها لأنه ظاهرة متكررة في بيئات قانونية مختلفة، لكن المقاربة القانونية بمختلف
مستوياتها هي المهيمنة حاليا في الساحة العامّة و إن كانت تسمح بمعالجة بعد من
أبعاد المشكل، فإن صراع السلطتين لا يمكن إختزاله في جانبه القانوني، فهو مثل كل
واقع إنساني و إجتماعي، ظاهرة معقّدة تحتاج الى تفسير متعدّد التخصصات تتكاثف فيه
جهود مختلف العلوم من علم التاريخ و علم السياسة و الإقتصاد وعلم النفس و علم
النفس الإجتماعي و فلسفة الحكم و علم الإدارة و التصرّف و بصفة عامة طيف العلوم
التي تعبّر عنها عبارة "العلوم الإنسانية و الإجتماعية".
إن أرقى شكل من أشكال الخروج من مشكل ما هو تطوير المعرفة حول هذا المشكل،
ليس لتجاوزه ظرفيا فقط و لكن لبناء وعي جماعي و مرجعية معرفية مشتركة تسمح بمواجهة
المشاكل القادمة في نطاق ما يسمّى الآن ب"الذكاء الجماعي"، و المعرفة لا
يختزلها شخص او علم. فالفهم السليم لكل مشكل، لن يكون سوى خلاصة تاليفية، و ليس
أفضل من تشريك الجامعة التونسية التي تحتضن آلاف المتخصّصين و يرصد لها قسط من
الأموال العمومية، بطلب من رئيس الجمهورية و من رئيس الحكومة و من البرلمان الذي
يمكنه توقيع عقود بحث مع المؤسسات الجامعية، بالإشتغال على مثل هذه القضايا و
إقحامها في برامجها البحثية، تجسيما لهدف نبيل يتمثّل في ربط البحث بمشاغل الوطن.
تغيير دستور 2014 قد تكون له اسباب عديدة مقبولة و قد يكون مطلبا شرعيا لشريحة من الرّأي العام، لكنّه لن ينهي مشكلا متكررا عبر أنظمة قانونية مختلفة عاشتها تونس قبل دستور 2014 و تواصل بعده، و نجد له صدى في الثقافة الشعبية عبر قصص عبرت القرون تلخّصها هذه العبارة المخيفة و الساحرة: "دبّر يا وزير لا راسك يطير".
jendoubimehdi@yahoo.fr
الرابط الأصلي:
صراع "السلطتين" من خير الدّين باشا الى هشام المشيشي (babnet.net)
مواضيع ذات صلة:
هل أولوية تونس اليوم هي إصلاح جديد لنظام الحكم أم التنمية الإقتصادية و الإجتماعية؟
كيف نصحح اخطاء الماضي و نحتفظ بافضل ما فيه لبناء المستقبل؟
الفساد السياسي الأعظم: هدر الزمن.
Quand le président Saied écorche l’alchimie des valeurs qu’il incarne.
La “patrie avant le parti” ou mon fils avant mes compagnons de lutte?
مفارقة النجاح و الخسارة في السياسة التونسية